أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
243
شرح مقامات الحريري
فإنّ شيطاني أمير الجنّ * يذهب بي في القول كلّ فنّ الأصمعيّ رحمه اللّه : قال وقف عليّ غلام بحمى ضريّة ، ما ظننته يجمع بين كلمتين ، فقلت : له : ما اسمك ؟ قال : حريقيص ، فقلت له : ما كفى أهلك أن سمّوك حرقوصا حتى صغروا اسمك ! فقال : إن السّقط ليحرق الحرجة ، فعجبت من جوابه . فقلت : أتنشد شيئا من أشعار قومك ؟ قال : نعم أنشد لمرّارنا : [ الكامل ] سكنوا شبيثا والأحصّ فأصبحت * نزلت منازلهم بنو ذبيان وإذا يقال أتيتم لم يبرحوا * حتى تقيم الخيل سوق طعان وإذا فلان مات عن أكرومة * رفعوا معاوز فقره لفلان قال : فكادت الأرض تسوخ لحسن إنشاده وجودة الشعر ، فحدّثت الرشيد الحديث فقال : وددت يا أصمعيّ لو رأيت هذا الغلام ، فكنت أبلغه أعلى المراتب . فهذا الغلام سمّي بحقير مصغّر ، وهو في معناه جليل معظّم . وينظر إلى هذا من باب الضدّ ما حدّث أبو العباس عن الرياشيّ عن الأصمعيّ ، قال : مرّ بنا أعرابيّ ، وهو ينشد ابنا له ، فقلت له : صفه ، فقال : ديمري ، فقلنا : لم نره ، فلم نلبث أن جاء بجعل على عنقه ، فقلنا له : لو سألت عن هذا لأرشدناك ، ما زال هذا اليوم بين أيدينا . الأصمعيّ : قيل لأبي المخشّ : أما كان لك ابن ؟ فقال : المخشّ ، قيل : وما كان المخشّ ؟ قال : أشدق خرطمانيّا ، إذا تكلّم سال لعابه ، كأنما ينظر من فلسين ، وكأنّ ترقوته بوان أو خالفة ، وكأن مشاش منكبيه كركرة جمل ؛ فقأ اللّه عينيّ هاتين إن كنت رأيت أحسن منه قبله أو بعده ، وأنشد : [ المنسرح ] نعم ضجيع الفتى إذا برد اللي * ل سحيرا وقرقف الصّرد زيّنها اللّه في الفؤاد كما * زيّن في عين والد ولد وقال أبو المخشّ : كانت لي ابنة تجلس معي على المائدة فتبرز كفّا كأنها طلعة ، في ذراع كأنّها جمارة ، فلا تقع عينها على أكلة نفيسة إلّا خصّتني بها ، فزوّجتها ، وصار يجلس معي على المائدة ابن لي ، فيبرز كفّا كأنّها الكرنافة ، في ذراع كأنها سباطة ، فلا تقع عيني على أكلة نفيسة إلا سبقت يده إليها قبلي . المخشّ : الذي ينخشّ في القوم ، يدخل معهم وهم يأكلون ، وأراد بمثل الفلسين عور عينيه . وقيل حفرتهما . خرطمانيّا : طويل الأنف ، وسيلان اللعاب يدلّ على قوة النفس . البوان : عمود في مقدّم البيت ، والكرنافة : طرف الكرب العريض المتّصل بالنخلة كأنها كتف . اليزيديّ : أوّل ما ظهر من نجابة المأمون وسداده أني كنت أؤدّبه فوجّهت إليه يوما